أعاد اختفاء المعارض المصري المهندس محمود فتحي بدر، رئيس حزب الفضيلة ومؤسس تيار الأمة، في العاصمة الليبية طرابلس، إلى الواجهة مجددًا ملف ملاحقة المعارضين العرب خارج أوطانهم، بعدما كشفت مقاطع فيديو جديدة عن الساعات الأخيرة التي سبقت اختفاءه برفقة زوجته هدى أنور، وسط تضارب واسع في الروايات بشأن ملابسات الواقعة، واستمرار الغموض حول مكان احتجازهما والجهة التي تقف وراء العملية.

 

وتأتي القضية في وقت تتزايد فيه المخاوف الحقوقية من احتمالات تعرض المعارضين السياسيين للاحتجاز أو الترحيل القسري، في ظل مطالب متصاعدة موجهة إلى حكومة الوحدة الوطنية الليبية بالإفصاح عن مصير فتحي وزوجته، وضمان عدم تسليمهما إلى أي دولة قد يتعرضان فيها لخطر الانتهاكات.

 

 

فيديوهات جديدة توثق اللحظات الأخيرة

 

انتشرت مقاطع فيديو توثق ما قيل إنها اللحظات الأخيرة قبل اختفاء محمود فتحي وزوجته يوم 20 يوليو الجاري في العاصمة طرابلس، بعد أيام قليلة من وصولهما إلى ليبيا في التاسع من الشهر نفسه.

 

وتظهر المشاهد فتحي وزوجته وهما يغادران إحدى العيادات الطبية المتخصصة في أمراض العيون، بعد انتهاء زوجته من إجراء فحص طبي، قبل أن يستقلا سيارة بيضاء مستأجرة. كما تظهر مقاطع أخرى سيارة قيل إنها كانت تتعقبهما قبل أن يتم اعتراض طريقهما واقتيادهما إلى جهة مجهولة.

 

وتكتسب هذه التسجيلات أهمية خاصة، كونها تقدم رواية ميدانية تختلف عن الروايات الأولى التي تحدثت عن توقيفهما من داخل مقر إقامتهما بأحد فنادق العاصمة الليبية.

 

 

تضارب في توقيت ومكان الواقعة

 

كانت تقارير إعلامية وحقوقية قد أشارت في البداية إلى أن عملية الاحتجاز تمت مساء التاسع عشر من يوليو داخل فندق "التوفيق" بمنطقة الظهرة في طرابلس.

 

إلا أن الرواية المدعومة بالمقاطع المصورة تشير إلى أن عملية الاختفاء جرت في اليوم التالي، أثناء وجود الزوجين في أحد شوارع المدينة عقب خروجهما من العيادة الطبية.

 

وأكدت إدارة الفندق، وفق ما نقله الموقع، أن فتحي وزوجته غادرا الفندق بصورة طبيعية، نافية حدوث أي عملية توقيف داخله، وهو ما عزز فرضية تعرضهما للاختطاف خارج مقر الإقامة.

 

 

غموض رسمي حول مكان الاحتجاز

 

ورغم مرور أيام على الواقعة، لم تصدر السلطات الليبية أي بيان رسمي يوضح مكان وجود محمود فتحي أو زوجته، كما لم تكشف عن الجهة التي تتولى احتجازهما أو أسباب ذلك.

 

وكانت وسائل إعلام ليبية، بينها "ليبيا أوبزيرفر"، قد نقلت عن مصادر متقاطعة اختفاء فتحي وزوجته، في وقت نفت فيه السلطات الليبية امتلاكها معلومات بشأن ظروف الاحتجاز أو الجهة المسؤولة عنه.

 

ويزيد هذا الصمت الرسمي من حالة الغموض التي تحيط بالقضية، خاصة في ظل تضارب الروايات الإعلامية والحقوقية.

 

 

روايات متباينة حول أسباب الاحتجاز

 

وفي الوقت الذي أبدت فيه منظمات حقوقية خشيتها من احتمال ترحيل فتحي إلى مصر، حيث يواجه أحكامًا غيابية بالإعدام والسجن المؤبد وفق تقارير صحفية وحقوقية، برزت رواية أخرى قدمها صحفي مصري مقرب من دوائر أمنية.

 

وأشار الصحفي، عبر حسابه الشخصي، إلى أن الواقعة لا ترتبط بأي تنسيق أمني، وإنما تعود إلى خلافات مالية وتجارية مع رجل أعمال سوري، قال إنه استدرج فتحي إلى ليبيا بسبب نزاع مالي.

 

غير أن هذه الرواية، شأنها شأن غيرها، لم تدعمها أي وثائق رسمية أو بيانات حكومية، الأمر الذي أبقى جميع الاحتمالات مفتوحة.

 

 

مطالب حقوقية بإعادته إلى تركيا

 

في المقابل، دعت قوى سياسية مصرية بالخارج وعدد من المنظمات الحقوقية حكومة الوحدة الوطنية الليبية إلى إعادة محمود فتحي وزوجته إلى الأراضي التركية، مشيرة إلى أنهما يحملان الجنسية التركية وفق مصادر حقوقية وإعلامية.

 

كما طالبت هذه الجهات بتمكينهما فورًا من التواصل مع أسرتهما، والسماح للبعثات القنصلية التركية بزيارتهما والاطلاع على أوضاعهما القانونية والصحية.

 

وأكدت القوى الموقعة على البيان أن الحكومة الليبية تتحمل المسؤولية الكاملة عن سلامة فتحي وزوجته، باعتبار أن الواقعة حدثت داخل المناطق الخاضعة لسيطرتها الأمنية.

 

 

تحذيرات من الترحيل القسري

 

وشددت منظمات حقوقية على أن أي خطوة لترحيل فتحي إلى مصر قد تثير إشكالات قانونية وحقوقية، استنادًا إلى الالتزامات الدولية التي تحظر إعادة أي شخص إلى دولة قد يواجه فيها خطر التعذيب أو المعاملة غير الإنسانية.

 

وأشار حقوقيون إلى أن ليبيا تعد طرفًا في اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب منذ عام 1989، وهو ما يفرض عليها التزامات قانونية تتعلق بعدم الإعادة القسرية في الحالات التي تتوافر فيها مخاوف جدية من التعرض لانتهاكات جسيمة.

 

 

خلفية سياسية وقضائية

 

ويعد محمود فتحي من أبرز الشخصيات المعارضة لعبدالفتاح السيسي بعد عام 2013، حيث غادر البلاد وأدرج اسمه في عدد من القضايا ذات الطابع السياسي، من بينها قضية اغتيال النائب العام السابق هشام بركات، إلى جانب قضايا أخرى صنفتها السلطات ضمن قضايا الإرهاب.

 

وتشير تقارير صحفية إلى صدور أحكام غيابية بحقه، بينها حكم بالإعدام وأحكام أخرى بالسجن، بينما ترى جهات حقوقية أن تلك الأحكام صدرت في ظروف سياسية وقضائية استثنائية، معتبرة أنها لا يمكن أن تشكل وحدها أساسًا لتسليمه.

 

وتؤكد مصادر مقربة منه أنه ابتعد خلال السنوات الأخيرة عن النشاط السياسي والإعلامي، وتفرغ للعمل الهندسي والتجاري، متنقلًا بين عدة دول، قبل أن يستقر لفترة في العاصمة السورية دمشق عقب التطورات السياسية الأخيرة هناك.